الملف الاخباري- لم يعد السؤال الذي يواجه الشباب اليوم: «ماذا درست؟»، بل أصبح أكثر تعقيدًا: «ماذا تستطيع أن تفعل؟»
في سوق عمل يتغير بسرعة، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها تفتح أبواب الوظائف كما كانت في السابق. فالتكنولوجيا تتقدم، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهن، والشركات تبحث عن أشخاص يمتلكون مهارات عملية وقدرة على التعلم والتكيف، وليس مجرد مؤهلات مكتوبة على الورق. وهكذا وجد الشباب أنفسهم في سباق جديد؛ سباق لا تُقاس فيه السرعة بعدد سنوات الدراسة، وإنما بقدرة الفرد على تطوير نفسه ومواكبة احتياجات السوق.
لسنوات طويلة، ارتبط النجاح بالحصول على شهادة جامعية ثم البحث عن وظيفة مناسبة. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. فالشهادة قد تكون بوابة الدخول، لكنها لا تضمن البقاء أو التقدم.
أصبح صاحب العمل يسأل عن الخبرة، والمهارات الرقمية، والقدرة على التواصل، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات، والتعامل مع الأدوات الحديثة. وفي كثير من المجالات، قد يكون شاب يمتلك مهارات عملية وخبرة في تنفيذ المشروعات أكثر قدرة على المنافسة من شخص يحمل مؤهلات أكاديمية أكبر، لكنه يفتقر إلى الخبرة التطبيقية.
وبعد هذه الثورة التقنية التي يعيشها العالم ، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية بعيدة، بل أصبح جزءًا من بيئة العمل اليومية في قطاعات متعددة. وهذا التطور يثير مخاوف لدى بعض الشباب بشأن اختفاء وظائف، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابًا جديدة أمام من يمتلكون القدرة على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها بذكاء، ومن هنا اصبحت المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، وإنما في مدى استعداد الإنسان للتعامل معها، فالشاب الذي يتعلم استخدام الأدوات الرقمية، ويطور قدراته في التحليل والإبداع والتواصل، يستطيع أن يحول التغيير من تهديد إلى فرصة. أما من يكتفي بما تعلمه قبل سنوات دون تحديث معارفه، فقد يجد نفسه خارج المنافسة.
اللافت في سوق العمل الجديد أن المهارات نفسها أصبحت سريعة التغير. فما هو مطلوب اليوم قد يتطور أو يتراجع غدًا، ولذلك لم تعد المنافسة مرتبطة بامتلاك مجموعة ثابتة من المهارات، بل بالقدرة على التعلم المستمر. وهنا تبرز أهمية المهارات الناعمة إلى جانب المهارات التقنية. فالتواصل الجيد، والقدرة على العمل الجماعي، وإدارة الوقت، والمرونة، والتفكير النقدي، كلها أصبحت عناصر أساسية في تقييم الموظف. ويمكن القول إنها معادلة جديدة تقول للشباب بوضوح: لا تتوقف عند ما تعرفه، بل استعد دائمًا لما تحتاج إلى معرفته لاحقًا.
وفي المقابل، لم يعد المستقبل المهني محصورًا في الوظيفة التقليدية. فقد أتاح الاقتصاد الرقمي فرصًا واسعة للعمل الحر، والعمل عن بُعد، وريادة الأعمال، والمشروعات الصغيرة، والخدمات الرقمية، وهنا يستطيع الشباب الانتقال من دور «الباحث عن وظيفة» إلى دور «صانع الفرصة». وقد تبدأ القصة بمهارة بسيطة يتقنها الشاب، ثم تتحول مع الخبرة والتطوير إلى مصدر دخل أو مشروع كامل، لكن ذلك يتطلب ثقافة مختلفة؛ ثقافة لا تنظر إلى الفشل باعتباره نهاية، ولا إلى التعلم باعتباره مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة.
ولكن رغم أهمية تطوير الشباب لمهاراتهم، فإن تحميلهم وحدهم مسؤولية المنافسة في سوق العمل ليس حلًا عادلًا. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتحديث برامجها وربط التعليم باحتياجات السوق، والقطاع الخاص مطالب بتوفير فرص التدريب والخبرة العملية، والحكومات مطالبة بتهيئة بيئة تساعد على الابتكار وريادة الأعمال وتوفير فرص العمل.
فالشاب لا يستطيع خوض سباق المهارات بمفرده إذا كانت نقطة الانطلاق غير متكافئة.
سوق العمل الجديد لا ينتظر أحدًا، والتغير لن يتوقف. لكن هذا لا يعني أن المستقبل قاتم أمام الشباب؛ بل على العكس، فإن التحولات الحالية تفتح مجالات واسعة أمام أصحاب الأفكار والمهارات والقدرة على التعلم.
المعادلة أصبحت واضحة: الشهادة مهمة، لكن المهارة أكثر حضورًا؛ والخبرة مهمة، لكن القدرة على التعلم أهم؛ والوظيفة فرصة، لكن القدرة على صناعة الفرصة قد تكون أقوى.
وفي سباق المهارات، لن يكون الفائز بالضرورة من بدأ أولًا، وإنما من استمر في تطوير نفسه حتى النهاية.