حماية وظيفة الأسرة من العنف القاتل: قراءة أنثروبولوجية في وقائع مرصودة في الأردن خلال عام 2026 ،،، الدكتورة زهور غرايبة/باحثة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية
الملف الاخباري- تمثل الأسرة في المجتمع الأردني المجال الأساسي للرعاية والتكافل ونقل القيم بين الأجيال. ولا يجوز التعامل مع عدد محدود من الجرائم الاستثنائية باعتباره تعبيرًا عن طبيعة الأسرة الأردنية أو قيمها العامة. غير أن حماية مكانة الأسرة تتطلب دراسة الحالات التي ينشأ فيها العنف داخل بعض علاقاتها، وفهم المؤشرات التي تسبق تحوله إلى قتل.
تنظر الأنثروبولوجيا الاجتماعية إلى القرابة بوصفها نظامًا ثقافيًا وأخلاقيًا ينظم الانتماء والرعاية والسلطة والمسؤوليات المتبادلة. لذلك تحمل جريمة القتل بين الأقارب دلالة تتجاوز الفعل الجنائي المباشر؛ فهي تكشف اضطرابًا في الوظائف التي يُفترض أن تؤديها العلاقة الأسرية.
ولا يسعى هذا المقال إلى تحديد المسؤولية القانونية في قضايا منفردة أو إثبات دوافع لم تُحسم قضائيًا، وإنما يقدم قراءة وصفية تحليلية للأنماط المشتركة بين الوقائع المرصودة، استنادًا إلى صلة الجاني بالضحية، ومكان الجريمة، والأداة المستخدمة، وعدد الضحايا، والمعاني الاجتماعية المرتبطة بالقرابة والسلطة والضبط الاجتماعي.
استنادًا إلى رصد الأخبار والبيانات والمنشورات العامة المتاحة منذ بداية عام 2026 وحتى الخامس من آب، أمكن توثيق ما لا يقل عن 11 واقعة ضمن نطاق التحليل: 10 وقائع قتل أسرية وواقعة قتل امرأة من خارج الأسرة. وأدت هذه الوقائع إلى مقتل 16 شخصًا، منهم 12 من النساء والفتيات، بنسبة 75%، و4 من الذكور، بنسبة 25%. وكان من بين الضحايا 6 أطفال، شكلوا 37.5% من الحصيلة، مقابل 10 بالغين بنسبة 62.5%.
هذه النسب وصفية داخل العينة الإعلامية المرصودة، ولا تمثل إحصاءً جنائيًا رسميًا أو أساسًا للتعميم على المجتمع الأردني.
القرابة حين تفقد وظيفتها
ينظر كلود ليفي-شتراوس إلى القرابة باعتبارها نظامًا من العلاقات والتبادلات الاجتماعية، لا مجرد امتداد بيولوجي. فالأسرة تستمر من خلال تبادل الرعاية والواجبات بين أفرادها وعبر أجيالها؛ إذ يقدم الوالدان الحماية للأبناء، ويحافظ الأبناء على سلامة الوالدين وكرامتهما، وتقوم العلاقة الزوجية على المشاركة والمسؤولية، وتستند علاقة الأشقاء إلى التضامن.
ظهرت الجرائم المرصودة داخل مستويات مختلفة من هذه الشبكة. فقد سُجلت ثلاث وقائع داخل العلاقة الزوجية بنسبة 27.3%، وثلاث وقائع قتل فيها أحد الوالدين أبناءه بالنسبة نفسها، وواقعتان بين الأشقاء بنسبة 18.2%، إضافة إلى قتل ابن لوالدته، وقتل حفيد لجدته، بنسبة 9.1% لكل منهما، وواقعة ارتكبها شخص من خارج الأسرة.
وعند جمع الوقائع التي تحرك فيها العنف بين الأجيال، من الوالدين تجاه الأبناء، أو من الابن تجاه والدته، أو من الحفيد تجاه جدته، نجد أنها شكلت 45.5% من الوقائع.
ففي إحدى الجرائم، قُتلت سيدة مسنة خنقًا على يد حفيدها بقصد السرقة، وفق المعلومات الرسمية المنشورة. وفي واقعة أخرى، قُتلت أم بعد اعتداء ابنها عليها بأداة راضة. كما سُجل قتل نساء على يد أشقائهن، وقتل أطفال على يد أحد الوالدين.
تكشف هذه الأمثلة انقلابًا في المعنى الاجتماعي للقرابة؛ إذ يتحول الشخص الذي تلقى الرعاية إلى مصدر خطر على من قدمها له، أو يتحول الوالد المسؤول عن حماية الطفل إلى مصدر لتهديد حياته. وتظل صلة القرابة قائمة من الناحية البيولوجية أو القانونية، في حين تفقد مضمونها المرتبط بالرعاية والوفاء وحفظ حرمة القريب.
ولا تعني هذه الحالات أن الأسرة بطبيعتها منتجة للعنف؛ فهي وقائع استثنائية ضمن مجتمع تواصل فيه غالبية الأسر أداء وظائفها في الرعاية والحماية والتكافل. وتنبع أهمية تحليلها من ضرورة منعها والمحافظة على مكانة الأسرة ووظيفتها.
من الخلاف إلى القتل: اضطراب الضبط الاجتماعي
لا يقدم تعبير «الخلافات العائلية» تفسيرًا علميًا كافيًا للجريمة. فالخلاف مكوّن طبيعي في العلاقات الإنسانية، ولا تنتهي غالبية الخلافات الأسرية بالعنف أو القتل. السؤال العلمي يتعلق بالكيفية التي ينتقل من خلالها الخلاف إلى اعتداء، ثم إلى نزع الاعتراف بحق الطرف الآخر في الحياة.
يمكن الاستفادة هنا من تصور إميل دوركايم للضبط الاجتماعي؛ فالمجتمع لا ينظم السلوك من خلال القانون والعقوبة فقط، وإنما عبر منظومة من القيم والمعايير والحدود التي يتعلم الفرد من خلالها ما هو مقبول وما هو مرفوض.
عندما تعمل هذه المنظومة، يعرف الفرد أن الغضب لا يمنحه حق الاعتداء، وأن الخلاف يمكن التعامل معه من خلال الحوار أو الانسحاب أو الوساطة أو القانون. وعندما تتراجع فاعلية هذه الخيارات في وعيه، قد تصبح القوة وسيلة لفرض الإرادة أو العقاب أو الانتقام.
قد تبدأ العملية بالتهديد أو الإهانة أو الاعتداء المتكرر. ومع الاعتياد، قد يصبح العنف جزءًا من نمط العلاقة، ويؤدي تكراره إلى خفض الحساسية تجاهه لدى أطرافها أو المحيطين بها.
ويظهر ذلك في واقعة كشفت نتائج التشريح المنشورة فيها عن إصابات قديمة وحديثة وكسور وآثار ضرب وتعذيب. وتشير هذه المعطيات إلى أن الوفاة جاءت في نهاية مسار سابق من الاعتداءات، ولم تكن نتيجة فعل منفرد وقع بصورة مفاجئة.
يتقاطع ذلك مع مفهوم «العنف الرمزي» عند بيير بورديو؛ فقد تبدأ السيطرة من ممارسات يومية يجري التعامل معها باعتبارها طبيعية، مثل التهديد والتحقير والتحكم في الحركة أو المال أو القرارات. ولا تعني هذه الممارسات أن القتل سيقع حتمًا، لكنها قد تهيئ علاقة غير متوازنة تصبح القوة داخلها وسيلة مقبولة لفرض الإرادة.
الجسد بوصفه مجالًا لظهور العنف
لا يقتصر الجسد في الفلسفة والأنثروبولوجيا على كونه تركيبًا بيولوجيًا؛ فهو المجال الذي يعيش الإنسان من خلاله تجربته ويتفاعل مع العالم. ويؤكد ميرلوبونتي أن الجسد هو وسيلة وجود الإنسان في العالم، ولهذا فإن الاعتداء عليه يستهدف وجود الضحية وكرامتها وقدرتها على الفعل.
وتظهر هذه الدلالة في الجرائم التي يتجاوز فيها الاعتداء تحقيق الوفاة المباشرة. ففي إحدى الوقائع المرصودة، تعرضت الضحية لأكثر من 35 طعنة، تركز عدد منها في منطقة الرقبة، وفق المعلومات المنشورة عن تقرير الطب الشرعي.
لا يُفسر هذا العدد من الطعنات بوظيفة الأداة وحدها؛ إذ يكشف مستوى مرتفعًا من الانفعال والإصرار على إلحاق الأذى بالجسد. ويشير الإفراط في العنف إلى رغبة في إلغاء الآخر أو إذلاله أو إطالة أثر الجريمة.
كما تظهر الدلالة الانتقامية في واقعة قتل ثلاثة أطفال على يد والدهم، إذ ربطت المعلومات الإعلامية الأولية الجريمة بخلافات قائمة مع والدتهم. وفي هذا السياق، حمل العنف أثرًا انتقاميًا موجهًا إلى شخص آخر من خلال قتل الأطفال.
يصبح جسد الضحية، وفق هذه القراءة، مساحة تظهر عليها علاقات القوة والغضب والانتقام التي لم تعد تُدار من خلال اللغة أو الوساطة أو القانون.
أدوات القتل والثقافة المادية للعنف
تتعامل الأنثروبولوجيا مع الأدوات بوصفها جزءًا من الثقافة المادية التي تكشف علاقة الإنسان ببيئته وإمكاناته المتاحة للفعل.
استُخدمت الأدوات الحادة في خمس وقائع، بنسبة 45.5%، وأدت إلى مقتل سبعة أشخاص، بما نسبته 43.8% من الضحايا. ومن أمثلتها قتل أحد الزوجين داخل المنزل، وقتل امرأة على يد شقيقها، وقتل ثلاثة أطفال على يد والدهم، وقتل شابة في شارع عام.
يشير انتشار الأدوات الحادة إلى سهولة الوصول إليها داخل البيئة اليومية. وتفقد الأداة المستخدمة عادة في الحياة المنزلية وظيفتها الأصلية عندما يعاد توظيفها داخل لحظة العنف.
واستُخدمت الأسلحة النارية في واقعتين فقط، بنسبة 18.2% من الوقائع، لكنها أودت بحياة خمسة أشخاص، أي 31.3% من الضحايا. وهذا يعني أن أقل من خُمس الوقائع أنتج قرابة ثلث الوفيات.
وعند جمع الطعن وإطلاق النار، نجد أن الوسيلتين استُخدمتا في 63.6% من الوقائع، وأدتا إلى مقتل 12 شخصًا، أي 75% من مجموع الضحايا.
وتوزعت الوقائع الأخرى بين الخنق، والضرب بأداة راضة، والتعذيب والارتطام، والإلقاء في بئر مع محاولة إظهار الوفاة باعتبارها حادثًا عرضيًا.
لا تفسر الأداة دوافع الجريمة، لكنها تؤثر في سرعة انتقال العنف إلى الموت، وفي عدد الأشخاص الممكن استهدافهم. كما تحمل محاولة إخفاء الجريمة دلالة إضافية؛ إذ يسعى الجاني إلى التحكم في رواية موت الضحية وإعادة إنتاجها اجتماعيًا بصورة تبعد الشبهة عنه.
المنزل بين الخصوصية والحماية
وقعت سبع جرائم على الأقل داخل المنزل أو في المجال السكني، بنسبة 63.6% من الوقائع. أما الحالات الأخرى، بنسبة 36.4%، فتوزعت بين مكان العمل والشارع والمزرعة وموقع يتضمن بئرًا.
يوفر المنزل الخصوصية والحماية في الظروف الطبيعية، لكنه قد يوفر أيضًا عزلة تخفي الاعتداء عن المحيط. ولا يعني ذلك وجود علاقة سببية بين المنزل والجريمة، وإنما يشير إلى أثر القرب المكاني وسهولة الوصول إلى الضحية والأدوات المتاحة.
وقد يؤدي التعامل مع العنف باعتباره «شأنًا عائليًا» إلى تأخر إدراك خطورته أو طلب المساعدة. فالخصوصية تحمي الحياة الأسرية، إلا أنها تفقد وظيفتها عندما تتحول إلى غطاء يخفي التهديد أو الاعتداء.
وفي إحدى الوقائع، انتقل العنف من العلاقة الزوجية إلى مكان عمل الزوجة، وأسفر عن مقتلها وشخصين من العاملين. ويكشف ذلك أن العنف الأسري قد يغادر المجال الخاص ويتحول إلى خطر عام تطال آثاره أشخاصًا ومؤسسات من خارج الأسرة.
الأطفال داخل صراعات البالغين
شكّل الأطفال 37.5% من الضحايا. وتضمنت الوقائع قتل طفلتين على يد والدتهما، وقتل ثلاثة أطفال على يد والدهم، وقتل طفلة مع محاولة إخفاء الجريمة.
يعتمد الطفل في حمايته على البالغين داخل الأسرة، ولا يملك غالبًا القدرة أو الموارد التي تسمح له بمغادرة مكان الخطر أو الوصول المستقل إلى الحماية.
وقد يتحول الطفل في النزاعات الأسرية الحادة إلى وسيلة للضغط أو الانتقام من أحد الوالدين. وعندها يُعامل باعتباره امتدادًا لأحد أطراف النزاع، لا إنسانًا مستقلًا له حق أصيل في الحياة.
تكشف هذه الوقائع اضطرابًا في معنى الأبوة والأمومة؛ فالعلاقة الوالدية تُبنى اجتماعيًا على حفظ حياة الطفل ورعايته. لذلك يجب التعامل مع التهديد بإيذاء الأطفال أو استخدامهم داخل الخلافات بوصفه مؤشرًا مرتفع الخطورة، لا مجرد تعبير انفعالي عابر.
الجرائم متعددة الضحايا
أسفرت ثلاث وقائع من أصل 11 عن مقتل أكثر من شخص، بما نسبته 27.3% من الوقائع. إلا أن هذه الجرائم الثلاث أوقعت وحدها ثمانية ضحايا من أصل 16، أي 50% من مجموع الضحايا.
وشملت هذه الفئة قتل طفلتين، وقتل ثلاثة أطفال، وقتل زوجة وشخصين في مكان عملها. وارتبطت اثنتان من الجرائم متعددة الضحايا باستخدام السلاح الناري، في حين ارتبطت الثالثة باستخدام أداة حادة.
تكشف هذه النتيجة ضرورة التمييز بين عدد الجرائم وشدة نتائجها؛ فقد يبقى عدد الوقائع محدودًا، بينما يرتفع عدد الضحايا بسبب الأداة المستخدمة أو انتقال الجاني بين عدة أفراد.
العنف الرمزي بعد الجريمة
لا تنتهي آثار الجريمة بانتهاء حياة الضحية. ففي الفضاء الرقمي تبدأ مرحلة أخرى يجري خلالها إنتاج روايات وتفسيرات وشائعات حول الضحية وعلاقتها بالجاني.
يسهم الإعلام ومواقع التواصل في كشف الجرائم وتوسيع النقاش العام، وقد ينتجان أيضًا عنفًا رمزيًا عندما تتحول حياة الضحية إلى مادة للتخمين، أو يجري البحث عن سلوك يُستخدم لتفسير ما وقع عليها.
وظهر ذلك في واقعة قتل شابة في شارع عام، حين أعقبت الجريمة روايات متعارضة حول علاقتها بالجاني ودوافعه، واضطرت أسرتها إلى نفي بعض المعلومات المتداولة.
وتصبح المسؤولية المعرفية ضرورية في هذه المرحلة؛ إذ يجب الفصل بين المعلومة الرسمية والرواية الإعلامية والتفسير الاجتماعي. ولا يشكل انتشار رواية معينة دليلًا على صحتها.
خلاصة
لا يمكن تفسير جرائم القتل الأسرية بعامل واحد؛ فالفقر أو الإدمان أو الاضطراب النفسي، عند ثبوته، لا يقدم أي منها تفسيرًا شاملًا. يتصاعد الخطر عندما تتقاطع عوامل متعددة، مثل تاريخ الاعتداء، وعلاقات القوة غير المتوازنة، والعزلة، وسهولة الوصول إلى أداة قاتلة، وضعف القدرة على إدارة الغضب، والرغبة في الانتقام أو السيطرة.
يتوافق ذلك مع النموذج البيئي المستخدم في دراسة العنف، الذي يربط بين مستوى الفرد، والعلاقة الأسرية، والمجتمع المحلي، والبنية الاجتماعية الأوسع.
ولا يعني تفسير الجريمة تبريرها؛ فالتفسير العلمي يبحث في الشروط التي تجعلها ممكنة بهدف تطوير الوقاية، في حين يحدد القضاء المسؤولية القانونية والعقوبة.
ولا تسمح المادة المرصودة بتعميم النتائج على الأسر الأردنية؛ فهي تتناول وقائع محددة واستثنائية، بينما تواصل الغالبية الواسعة من الأسر أداء وظائفها في الرعاية والحماية والتكافل. وتنبع أهمية تحليل هذه الحالات من ضرورة منعها وحماية مكانة الأسرة من النتائج المدمرة للعنف.
لا يقتصر دور البحث الاجتماعي على عدّ الجرائم، وإنما يمتد إلى دراسة ما يسبقها: متى بدأ العنف؟ وكيف جرى التعامل معه؟ وما العلامات التي لم تُقرأ بوصفها خطرًا؟
تقع الجريمة في لحظة، لكن شروطها قد تتشكل خلال زمن أطول؛ في تهديد متكرر، أو اعتداء جرى تطبيعه، أو طفل استُخدم داخل نزاع. ومن فهم هذه المراحل تبدأ الوقاية وحماية وظيفة الأسرة بوصفها مجالًا للرعاية والأمان.
**ملاحظة منهجية:** تستند الأرقام والنسب إلى رصد المصادر العامة المتاحة منذ بداية عام 2026 وحتى 5 آب، وتمثل وصفًا للعينة التي أمكن توثيقها، ولا تعد إحصاءً جنائيًا رسميًا أو معدلًا وطنيًا.