مقالات

أدب الحوار سمة تعكس حضارة الشعوب .. بقلم ممدوح النعيم

 الملف الإخباري- أدب الحوار سمة حضارية تعكس حضارة الشعوب ورقيها، ونحن العرب كرمنا الله بأن جعل من لغة القرآن لغتنا التي تعد عنوان ثقافتنا وحضارتنا.

اللغة العربية من أجمل لغات العالم، فهي لغة الروح والعقل والتصالح مع الذات ومع الآخر.

ولكن لاحظت خلال جلسات مجلس النواب ومن خلال ما يكتب بوسائل الإعلام غياب اللغة التصالحية التي تراعي المصلحة الوطنية إزاء الحدث الأخير الذي تم خلاله القبض على مجموعة إرهابية تمتلك وتصنع أدوات بهدف القيام بأعمال تخريبية. مجموعة تم القبض عليها من قبل دائرة المخابرات العامة وتمت إحالتهم إلى القضاء، تبع ذلك إصدار بيان من دائرة المخابرات العامة أعد بدقة متناهية لا يتضمن اتهامات لأي من الأحزاب أو الجماعات، بيانًا مهنياً ترك الحكم للقضاء، بيانًا اعتمد لغة القانون والبيان دون تشنج وعصبية، وهو ما كان على الجميع اعتماد هذا الأسلوب الذي يراعي المصلحة الوطنية بكل أبعادها الأمنية والقانونية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يعيدنا إلى مفهوم لغة الحوار التصالحية أو الدبلوماسية. فاللغة التصالحية أو الدبلوماسية لا تعني ضعفًا أو استسلامًا وانهيارًا، بقدر ما تعكس ثقافة ومعرفة وإيمانًا بقيم الحق والعدل والانصراف.

اللغة التصالحية هي الجسر الذي يربط بين الناس، وتعيد صياغة الحوار وضبطه وإبعاده عن التطرف ليصبح أداة للتفاهم وبناء مستقبل يقوم على التعاون المشترك، وقبل ذلك على الثقة المتبادلة بين جميع المكونات الاجتماعية التي تتشارك بالانتماء والولاء للهوية الوطنية وبمضمونها الدستوري.

ما نشهده اليوم من حوارات تقوم على العنف اللفظي والإقصاء، فإن التذكير باللغة التصالحية يعد ضرورة وطنية من أجل المحافظة على القيم المشتركة.

لغة التجيج تزيد من حدة الخلافات وتنعكس سلبًا على واقع الأوطان.

اللغة العربية لغة البلاغة وتحوز على أدوات التعبير التي تنوع ما بين الإلهام والإبداع بكل مجالات العلم والمعرفة، فكما تخاطب العقل فإنها تخاطب القلب، ومن هنا كان الإبداع في الشعر والنحو والصرف والبلاغة وفي القصة والرواية والرياضيات والعلوم وعلم الفلك والطب والصيدلة، فاللغة العربية أيضًا ليست مجرد زخارف جمالية توضع على اليافطات بل إنها جسر للتواصل والحوار والتفاهم ما بين الأمم والحضارات.

وعندما أشير إلى أن اللغة العربية لغة تصالحية فإنها بذلك تحوز على أعلى المقامات الوجدانية في النفس البشرية الساعية للمحبة والإصلاح، فهي لغة تبتعد في عمقها الروحي والحضاري عن الإساءة ولا توصفها حتى وهي تنتقدها وتعارضها، لأن من يقوم على الإيمان بها يختار الكلمات بعناية، يذهب إلى ما يجمع وليس إلى ما يفرق، إنها لغة أهل الجنة فكيف لا تكون نقية العبارات.

لقد عبرت لغتنا العربية عن حضارتنا وأنجزت وقدمت للإنسانية الفن والموسيقى والشعر والغناء، فهل نعجز عن بناء أجمل وأرق العبارات التي تقود إلى الالتقاء بدلًا من الخلاف.

لغتنا العربية عن دون لغات العالم قادرة على تعزيز القيم الإنسانية وتعزيز خطابنا ووحدتنا الوطنية وتعزيز قيم العدالة، والحرية، واحترام الآخر، وهي قيم تنبع من عقيدتنا وحضارتنا وثقافتنا.

في سياق الحوارات الساخنة، فإن اللغة التصالحية تُعتبر أداة محورية لأنها تُخفف من حدة التوترات، وتُهيئ الأرضية للحوار المثمر. عندما يُقدّم أحد الأطراف تنازلات لفظية تُعبّر عن الاحترام للآخر، فإن ذلك يُشجّع الطرف المقابل على الرد بالمثل، مما يُسهم في خلق بيئة تفاهم وإيجاد حلول وسط تُرضي الجميع. هذه الآلية تتجلى بشكل خاص عند الحديث عن قضايا شائكة تتطلب توافقًا وطنيًا، مثل القضايا السياسية الكبرى أو التحديات الاجتماعية التي تواجه المجتمع.

من جهة أخرى، فإن تجاهل استخدام اللغة التصالحية واللجوء إلى خطاب عدائي يُؤدي إلى تصاعد النزاعات، حيث يصبح كل طرف مُصرًا على موقفه دون مراعاة لوجهة نظر الآخر.

في مثل هذه الحالات، يتحول النقاش إلى صراع مدمر يُضعف النسيج الاجتماعي ويُهدد استقرار الدولة.

لذلك، فإن تبنّي لغة تصالحية لا يعكس فقط قوة أخلاقية، بل يُظهر أيضًا وعيًا عميقًا بأهمية الاستقرار الاجتماعي والسياسي في تحقيق التنمية والتقدم.

علاوة على ذلك، اللغة التصالحية تُعزّز من مفهوم الهوية الوطنية الجامعة. في مجتمعاتنا التي تتسم بالتنوع الثقافي والفكري، يُمكن لهذه اللغة أن تُبرز المشترك الإنساني بين مختلف الأطراف، وتُعيد التأكيد على أن التنوع هو مصدر قوة لا ضعف.

من خلال خطاب يُركّز على القيم العامة مثل التضامن والوحدة، يمكن للغة التصالحية أن تُعيد صياغة الهوية الوطنية بحيث تشمل الجميع دون إقصاء.

إن الأدب العربي وتراثه الثقافي يُقدمان لنا أمثلة عديدة عن قوة اللغة التصالحية. فقد استخدم الشعراء والخطباء على مر العصور كلماتهم لتهدئة النفوس وإعادة اللحمة بين القبائل المتنازعة. هذه الأمثلة التاريخية تُظهر أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي سلاح يُمكن أن يُستخدم لبناء السلام أو لنشر الفرقة، حسب كيفية استخدامها.

اللغة التصالحية ليست رفاهية، بل هي ضرورة في عالمنا المليء بالاضطرابات.

إنها الأداة التي تُعيد صياغة العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتُحول الصراعات إلى فرص للتفاهم.

بتبني هذه اللغة، يمكننا أن نبني مستقبلًا قائمًا على القيم المشتركة، ونتجنب الوقوع في فخ الخطاب العدائي الذي لا يُثمر إلا انقسامًا.

ممدوح النعيم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى