في بيداء المطالعة، حيث تتناثر الكتب كنجومٍ في فلكٍ مترامي الأطراف، يظلُّ ثَمَّ كتابٌ يتوّج الكواكب، ويضيء المدار بحضوره الطاغي، كتابٌ ليس كالأوراق التي تُطوى وتُنسى، بل هو سِفرٌ تُقْرَأُ فيه الأوطان كما تُقرأ الحكايات الخالدة في ألواحٍ من نور. ذلك هو «داغستان بلدي» لرسول حمزاتوف، الكتاب الذي ما إن لامست أناملي صفحاته حتى شعرت أنني أمسك بجمرةٍ من وجد، أو أفتح مصراعَ نافذةٍ على أرواحٍ متوهجةٍ بالحب والانتماء، أو كأنني أتنفس هواءً قوقازيًا عليلًا يفوح بعطر الجبال وأصداء الأغنيات الشعبية. لم يكن هذا الأثر الأدبي عندي محضَ سردٍ لذكريات شاعرٍ من بلاد القوقاز، بل كان كأنما ينطق بلسان كل منتمٍ إلى وطنٍ عريق، وكان يخصني أنا، أنا الأردنية التي وجدت في داغستان مرآةً لأردنها، وفي كلمات حمزاتوف صدىً لنبضها، وفي حروفه تجلّيًا لكرامة الأرض وهوية الإنسان، وكأنه يخاطب قلبي مباشرةً بلسان عربي مبين، رغم أن لغته الأصلية ليست لغتي.
لقد قدّم حمزاتوف وطنه لا كجغرافيا مُحدّدة، ولا كحدودٍ تُرسم بالخرائط، بل كأمٍّ تُشعل القنديل في نافذة بيتها لتدلَّ الغائب على طريق العودة. يا له من تصوير! الوطن أمّ، والمصباح قلبها المضيء، والنوافذ أهدابها المشرعة، وكل ابنٍ غائبٍ يظلُّ في حضرة ذلك النور حاضرًا، وكل عائدٍ يجد دفء الحضن قبل أن تطأ قدماه عتبة الدار. وما إن ترددت هذه العبارة في وجداني حتى ارتسم أمامي وجه الأردن، الأمهات الأردنيات اللواتي يضئن الدروب قبل المصابيح، اللواتي يترقبن عودة الأبناء مهما غابوا في منافي الأرض، اللواتي يَصُنَّ الوطن بالحنين كما يُصان بالدماء، اللواتي يصبغن الأفق بنور العيون قبل نور الشمس. هناك، في هذه الصورة الموحية، التقت داغستان بالأردن، وذابت الحدود في وحدة الشعور، فصار كلام حمزاتوف كلامي، وصار حنينه حنيني، وصار وطنه مرآةً لوطني.
ثم كان قوله المهيب: «من باع اسمه باع وطنه»، فارتجفت له روحي ارتجاف السنبلة لريحٍ عاتية، واهتز له وجداني كما يهتز الغصن لغيثٍ مدرار. فما الاسم إلا وعاء الهوية، وما الهوية إلا جذر الكرامة، ومن استهان باسمه فقد بتر جذوره، ومن بتر جذوره فقد أسلم نفسه لرياح الفناء. في تلك اللحظة أيقنت أنني حين أقول: “أنا غِنى الأردنية”، فإنني لا أذكر حروفًا جوفاء، بل أستحضر تاريخًا ممتدًا، وأعلن انتماءً لا يقبل المساومة، وأضع نفسي في موكب من سبقني ممن سطروا للأردن معنى البقاء، ممن جعلوا الحروف رايات، والأسماء أوسمة، والهوية حصنًا لا يُخترق.
وكلما غُصتُ في أعماق هذا الكتاب، ازددت يقينًا أن الوطن ليس امتداد الأرض، بل امتداد القلب، وأن الفخر لا يُقاس بعدد الأنهار ولا بعدد الجبال، بل بصدق الحب الذي يحمله أبناؤه. إن داغستان التي وصفها حمزاتوف بألسنةٍ متعددة ولهجاتٍ متباينة، متوحدة في جوهرها، ذكرتني بأردنٍ يُشبهها في التعدد، بلدٌ يجمع بين سهلٍ وبادية، وبين جبلٍ ووادي، بين شمالٍ يكتسي بحلل السنديان، وجنوبٍ تَحرسه بتراء شامخة كأعجوبة الدهر، وبين وادٍ يرقد فيه الغور كنخلة باسقة لا تموت. كلاهما، داغستان والأردن، صورة للوحدة في التعدد، وللثبات في وجه الزمان، وللصمود أمام العواصف، كأنهما جبلان يقفان في مواجهة الأبد.
ولم تكن «داغستان بلدي» مجرد سردٍ أو وصف، بل كانت سيمفونية من حِكَمٍ وأمثال، من قصائد وأصداء، من أنينٍ وأغنيات. أحيانًا كأنها حكمةُ شيخٍ وقور تتدفق من فمه كالعسل، وأحيانًا كأنها شدوُ طفلةٍ تغني في سفح جبل، وأحيانًا كأنها صدى الصواعق يتردد في قممٍ شامخة. كنتُ أطالعها بعينٍ مفتوحة، فأراها كقصيدةٍ مشبوبة، وكنتُ أطالعها بقلبٍ مستغرق، فأراها كترنيمةٍ أبدية، وكنتُ أطالعها بروحٍ عطشى، فأجدها كالينبوع العذب في صحراء مترامية. ولقد صدق من قال إن الكتب أرواح، فهذه الروح التي سكنت كتاب حمزاتوف لم تزل تجول في أعماقي، توقظ وجداني وتضيء حُبي للأرض، وتغرس في صدري بذور الفخر والاعتزاز.
ولأنني قارئة لا تقتصر على فنٍّ دون فن، أبحرت في عوالم شتى: في الطب بحثت عن سر الجسد، وفي الفلسفة تأملت لغز الوجود، وفي التاريخ تنقلت بين أمجاد وأطلال، وفي الشعر ارتويت من نبع الجمال، لكن هذا الكتاب تفرّد عن كل ما قرأت، إذ لم يكن نافذةً على وطنٍ بعيد فحسب، بل صار مرآةً لنفسي ووطني. لقد جعلني أرى الأردن بعينٍ جديدة، لا كجغرافيا أعيش فيها، بل كروحٍ تعيش فيّ، كاسمٍ لا ينفصل عن كياني، كدمٍ يفيض في شراييني، كقصيدةٍ تكتبني حتى قبل أن أكتبها.
إنّ «داغستان بلدي» كتابٌ لا يُستنزف، بل يتجدّد مع كل قراءة، كالنهر الذي لا تنضب مياهه، وكالبحر الذي لا يُدرَك ساحله، وكلما عدت إليه وجدتني أكتشف فيه نبرةً أخرى، وأتذوق طعمه بطعمٍ آخر، وأشعر أنني أزداد به غنىً في الروح، وثراءً في القلب، ونورًا في العقل. ولذا صار عندي أكثر من رواية مفضلة؛ صار نشيدًا خفيًا يرافقني، ويذكّرني أن الوطن، أيّ وطن، هو النشيد الأعظم، وأن الأردن، وطني أنا، هو داغستاني الخاصة، هو موطني الأبدي الذي إن ابتعدتُ عنه بالجسد لم أبتعد عنه بالروح، وإن خرجت منه يومًا فلن يخرج مني أبدًا.
فيا لسحر هذا الكتاب الذي جعلني أوقن أن الانتماء ليس كلمةً تُقال في خُطب، بل هو قدرٌ مكتوب في الدماء، وأن حب الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو دمعةٌ في العين، ونبضةٌ في القلب، وصلاةٌ في السر، وأن الأردن، كما كانت داغستان لرسول حمزاتوف، هو لي أنا بلد القصيدة والذاكرة، بلد السنديان والكرامة، بلدٌ لا يُباع ولا يُشترى، بل يُعاش ويُعشق ويُخلّد، بلدٌ كلما ذكرته ازدانت اللغة، وكلما نطقت باسمه أورق اللسان، وكلما التفتُّ إليه رأيت فيه صورة نفسي التي لا تتبدل ولا تفنى