تُعد هذه المناسبة محطة مفصلية في مسيرة الشباب الأردني، وخطاب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، يحمل دلالات عميقة تتجاوز بروتوكول التخريج لتلامس جوهر القيم العسكرية والهاشمية.
في يومٍ من أيام الوطن الأغر، وبينما كانت ساحات الميادين تزهو بنشامى الدفعة الأولى من “خدمة العلم”، لم يكن خطاب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني مجرد كلمات احتفالية، بل كان درساً بليغاً في “أدب الحديث” ومنهاجاً حياً في “التواضع الهاشمي”.
وهنا نقف ىعن عظيم الوصف في عبارة “أولئك الذين تعلمنا منهم”
عندما قال سمو ولي العهد: “أولئك الذين تعلمنا منهم”، وهو يشير إلى رفاق السلاح والعسكريين، فإنه لم يكن يتحدث من موقع القيادة فحسب، بل من موقع التلميذ في مدرسة الانتماء. هذه الجملة تحمل في طياتها اعترافاً صريحاً بأن القوة الحقيقية تكمن في الاستمرارية، وأن القائد يستمد حتمية نجاحه من تقدير من سبقوه ومن يحيطون به.
إن سموه هنا يُكرس مفهوم “التواضع الهاشمي” الذي لا يرى في الرتبة حاجزاً، بل يراها وسيلة لخدمة الآخرين. فأن يقول أمير وولي عهد عن العسكريين أنهم “المعلمون”، فهذا قمة أدب الحديث الذي يعيد الاعتبار لكل حبة عرق بذلها جندي في الميدان.
احترام الأشخاص وتقديس الرتب
برز في خطاب سموه توازن دقيق ومبهر بين “احترام الأشخاص” و “احترام الرتب”. في العسكرية، الرتبة هي العمود الفقري للنظام، لكن في الفكر الهاشمي، الإنسان هو الغاية.
لقد حلل سموه هذه المعادلة من خلال:
الرفقة قبل الرتبة: مناداتهم بـ “رفقاء السلاح” هي إزالة للفوارق النفسية مع الحفاظ على الانضباط العسكري.
أدب التخاطب: عكس الخطاب رقياً في اختيار الألفاظ، حيث خاطب “النشامى” بلغة الأخ ليرفع من معنوياتهم، وبلغة القائد ليزيد من عزيمتهم.
نشامى الدفعة الأولى: عهدٌ جديد
إن تخريج هذه الدفعة تحت أنظار ولي العهد، وبكلماته التي لامست القلوب، يعطي لخدمة العلم بعداً معنوياً جديداً. فالرسالة كانت واضحة: الجندية ليست مجرد تدريب بدني، بل هي مدرسة لتشكيل الشخصية الأردنية المتواضعة، الواثقة، والمحترمة للكبير قبل الصغير.
لقد علّمنا الحسين في هذا الخطاب أن “التواضع” لا يُنقص من الهيبة، بل هو جوهر الهيبة الهاشمية. فبينما يشتد عصب الجيش بهؤلاء الشباب، تشتد عرى العلاقة بين القائد وشعبه بكلمات تملؤها المودة والاحترام المتبادل.
و يبقى “التواضع الهاشمي” هو البوصلة التي توجه دفة السفينة، ويبقى “رفقاء السلاح” هم السند الذي يفخر به ولي العهد، لتستمر مسيرة العطاء في أردن العز والكرامة
ارث التواضع الهاشمي: من جلالة الملك إلى سمو ولي العهد
لطالما كان جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين يضرب أروع الأمثلة في كسر الحواجز؛ فهو القائد الذي يجلس على الأرض مع جنوده، يأكل مما يأكلون، ويستمع إليهم ليس كملك فحسب، بل كأخٍ ورفيقِ سلاحٍ يعرف تفاصيل الميدان وخفايا الخنادق. هذا التواضع ليس غريباً على سليل الدوحة النبوية، فهو الذي يرى في العسكر “الأهل والعزوة”.
وعلى ذات النهج، يسير سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد؛ بطلّةٍ هاشمية تمزج بين هيبة القائد وتواضع الأخ الصادق. نراه بين رفاقه النشامى، يشاركهم التدريب والتعب والضحكة، واضعاً رتبة “الإنسان” فوق كل اعتبار، مما يزرع في قلوبهم حباً لا يتزعزع وولاءً لا يلين.
مديح في “نشامى الوطن” رفاق السلاح
هؤلاء الذين “ترفع لهم القبعات” أينما حلّوا، هم السياج المنيع والدرع الحصين. وبحقهم يقال:
عزيمة لا تنكسر: هم الذين نذروا أنفسهم للوطن، وجعلوا من جباههم السمراء لوحة تحكي قصة الصمود.
علاقة فريدة: نادراً ما نجد في العالم علاقة تجمع الحاكم بالمحكوم كما هي عند الهاشميين ونشامى الجيش؛ فهي علاقة مبنية على الثقة المطلقة والمحبة المتبادلة.
تواضع العظماء: عندما يلتقي الملك أو ولي عهده بالجنود، يختفي الفرق بين “الرتبة” و”الإنسان”، ليبقى فقط “نبض الأردن” الواحد.
كلمات في وصف هذا التلاحم
“ليس التواضع عند الهاشميين غاية، بل هو طبعٌ وأصل. فسلامٌ على القائد الذي يرى في جنده إخوة، وسلامٌ على الأمير الذي يرى في رفاق السلاح سنداً، وسلامٌ على نشامى الأردن الذين ما انحنوا إلا لله، وما لانوا إلا حباً لوطنهم وقيادتهم.”
إن هذا المشهد الذي يتكرر في كل معسكر وميدان، يؤكد أن قوة الأردن ليست في السلاح وحده، بل في ذلك “التواضع الهاشمي” الذي جعل من القائد والجندي قلباً واحداً ينبض باسم الوطن.