الملف الإخباري- في خضم الحراك السياسي الذي يشهده الأردن، ظهرت في الأيام الأخيرة موجة من الآراء التي تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزعم أن التعديلات المرتقبة على قانون الإدارة المحلية تتضمن إلغاء انتخاب رؤساء البلديات واقتصار تعيينهم على الحكومة، إضافة إلى إلغاء مجالس المحافظات (اللامركزية) بالكامل، وهذه الآراء أثرت جدلًا واسعًا.
تعتبر لجنة تحديث المنظومة السياسية، التي تشكلت بإرادة ملكية سامية، محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي في الأردن، حيث لم يكن الهدف من تشكيل هذه اللجنة مجرد إجراء تعديلات شكلية على القوانين، بل كان الهدف هو إحداث تحوّل جوهري في طبيعة المشاركة الشعبية، الذي يهدف إلى تمكين مختلف الفئات، لاسيما الشباب والنساء، من الانخراط الفاعل في العملية السياسية.
وفي هذا الإطار شهدنا تعديلات دستورية وقانونية شملت قانوني الانتخاب والأحزاب. والآن، يأتي دور تعديل قانون الإدارة المحلية واللامركزية، الذي يُعتبر ركيزة أساسية لتحقيق الحكم المحلي الرشيد، وهو أحد المحاور التي أكد عليها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حيث قال:
“الوصول إلى حكم محلي رشيد، قادر على الاضطلاع بمهام التنمية المحلية والخدمات بشكل مستقل وفعال، بناءً على برامج اختارها المواطنون عبر انتخابات حرة ونزيهة، في تناغم وتكامل للأدوار بين الهياكل المختلفة والأقاليم من جهة والإدارة المركزية من جهة أخرى.”
إن رؤية جلالة الملك تعكس توجهًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز التمثيل الديمقراطي، وتكريس مفهوم اللامركزية، ونقل صلاحيات أوسع إلى المجالس المحلية المنتخبة، وليس تقليصها أو إلغائها كما تروج له الشائعات.
وعلى الرغم من الادعاءات المتداولة فإن التوصيات المطروحة من قبل لجنة تحديث منظومة الحياة السياسية بشأن قانون الإدارة المحلية لا تتضمن إلغاء انتخاب رؤساء البلديات، بل تعديل آلية انتخابهم، حيث ستتم عملية انتخابهم من قبل أعضاء المجلس المنتخب، وليس من خلال الاقتراع العام المباشر، إن هذه التوصية لا تعني بأي حال من الأحوال المساس بمبدأ الانتخابات، ولكنها تهدف إلى تحقيق انسجام أكبر بين المجالس البلدية ورؤسائها، بما يسهم في تحسين الأداء الإداري.
التناقض بين الشائعات وأهداف التحديث السياسي
تتعارض الآراء التي انتشرت مؤخرًا حول الإدارة المحلية مع التوصيات التي طرحتها لجنة تحديث المنظومة السياسية، فبينما تسعى التوصيات لتعزيز المشاركة الشعبية من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وضمان تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 30% في المجالس المنتخبة، وتخفيض سن الترشح، فإن الآراء التي تروج لإلغاء انتخاب رئيس البلدية وتحويله إلى تعيين حكومي، إضافة إلى إلغاء مجالس اللامركزية، تتناقض مع الأهداف الأساسية للتحديث؛ إن التوصيات التي طرحتها اللجنة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز الديمقراطية، بينما تروج الآراء إلى تراجع الحكم المحلي وتحجيم دور المواطن في اتخاذ القرارات المحلية.
مصير مجالس المحافظات
أما فيما يتعلق بمصير مجالس المحافظات، فإن وثيقة تحديث منظومة الحياة السياسية حملت توصيات مهمة تؤكد على الإبقاء على هذه المجالس وتعزيز دورها، وليس إلغائها كما يتم الترويج له، وعلى العكس، فإن مشروع التعديلات يتجه نحو إعطاء المجالس المنتخبة مزيدًا من الصلاحيات المالية والإدارية، وزيادة تمثيل النساء والشباب، وتعزيز استقلالية عملها بما يتماشى مع نهج اللامركزية الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه.
أحد أبرز ملامح التعديلات هو توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، من خلال تخفيض سن الترشح إلى 22 عامًا، وإلزامية تخصيص 30% من المقاعد للنساء، كما سيتم تخصيص مقاعد للأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى نص التعديل بأن يكون نائب رئيس مجلسي المحافظة والبلدية امرأة في حال كانت الرئاسة لرجل.
إن التحولات التي يشهدها الأردن في مجال الإصلاح السياسي والإداري لا يمكن أن تنجح دون وعي مجتمعي حقيقي، يقوم على التثبت من المعلومات قبل تصديقها، والاعتماد على المصادر الرسمية بدلاً من الانجرار وراء الشائعات.
الأردن اليوم ليس في مرحلة التراجع عن الديمقراطية، إذ يسير بثبات نحو نموذج أكثر تطورًا في الإدارة المحلية وأكثر شمولية في التمثيل السياسي، وإذا كانت هناك انتقادات مشروعة لبعض التعديلات، فإن مكانها الصحيح هو النقاش العام المستند إلى الحقائق، وليس عبر الشائعات التي تهدف إلى التشويش على مسار الإصلاح.
إن تحديث المنظومة السياسية والإدارية في الأردن لا يقتصر فقط على كونه عملية قانونية تعمل على تعديل نصوص نظرية، ولكنها رؤية وطنية تُبنى على المشاركة الشعبية، وتعتمد على الحوار، وتسعى إلى تعزيز دور المواطن في صنع القرار.