الملف الاخباري : ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين اليوم الثلاثاء من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 81، خطاباً لا يمكن تصنيفه كخطاب بروتوكولي عابر، بل هو وثيقة سياسية وأخلاقية تؤسس لمفهوم جديد في العلاقات الدولية.
لقد وضع جلالته العالم أمام مرآة الحقيقة عندما قال إن “الانتباه أصبح مورداً جيوسياسياً”، ففي عصر تتراجع فيه مدة تركيز الإنسان إلى 47 ثانية، أصبحت معاناة الشعوب تُقاس بمدى بقائها على الشاشة، لا بعمق جرحها. وهذا التشخيص الدقيق هو ما جعل القضية الفلسطينية تُدار بعقلية الاحتواء لا الحل.
إن ما قاله جلالة الملك عن غزة والضفة الغربية بأنهما “وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية” هو توصيف يجب أن يدرّس في معاهد الدبلوماسية. لم تعد غزة مجرد حرب ولا الضفة مجرد مستوطنات، بل مشروع توسعي واحد يهدف لفرض أمر واقع وتهجير شعب وطمس هوية. وإن وصف القرارات الدولية بأنها “حبر على ورق” هو إدانة مباشرة لازدواجية المعايير التي أفقدت الأمم المتحدة هيبتها.
وقد كانت رسالة جلالته الأكثر حزماً ووضوحاً هي تلك الموجهة للداخل والخارج معاً: أمن الأردن وحدوده ومياهه خط أحمر. عبارة “لن يشيح الأردن بنظره” ليست تهديداً، بل إعلان سيادة دولة تعرف واجبها وتحمي مصالح شعبها. فمن يحاول العبث بحدودنا الشمالية أو بأمننا المائي عبر التهريب أو التوغل أو فرض حقائق جديدة في الجنوب السوري، سيجد دولة قوية بجيشها وأجهزتها وشعبها.
نحن كأردنيين أولاً، نرى في هذا الخطاب تجسيداً للوصاية الهاشمية ليس فقط على المقدسات في القدس، بل وصاية على الضمير العالمي. تمسك الأردن بالدبلوماسية كما قال جلالته ليس ضعفاً، بل هو قوة الحكمة التي تعرف متى تتكلم ومتى تفعل. واليوم، تكلم الأردن فأنصت العالم.