مقالات

أزف الوقت لمراجعة السياسات التي تشكل بيئةخصبة للفكر المتطرف..  بقلم : ممدوح النعيم 

 الملف الإخباري- قبل إعلان وزير الداخلية باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً منحلاً، كان القضاء قد أصدر حكماً في ٢٠٢٠ يحظر عمل الجماعة، فهي منذ ذلك الوقت تُعد وبحكم القانون جماعة غير شرعية يجب عليها التوقف عن ممارسة أية نشاطات. ورغم ذلك استمرت الجماعة بممارسة نشاطاتها دون الالتفات إلى القرار القضائي وأيضاً دون حزم من الجانب الحكومي.

لماذا وكيف؟ أسئلة سوف تأتي في مجمل النقاش حول القرار الأخير بحلها واعتبارها تنظيماً إرهابياً.

في سياق الحديث عن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالنظام كما اصطلح على هذه الجملة للدفاع عن التنظيم وتبرير بعض مواقفه، فإن السؤال الذي يرد بالبال: هل جماعة الإخوان المسلمين الآن هم ذاتهم حملة نفس المبادئ والأهداف أم مع تغير الأشخاص وتبدل ما في النفوس؟

يعلم أعضاء النقابات وأحزاب المعارضة والائتلافات التي يشارك بها الإخوان أنهم دوماً يسعون إلى تحقيق المكاسب التي تتوافق مع شعاراتهم، لذلك كانوا في النقابات يرفضون التحالفات، وإن تحالفوا فهم يأخذون ولا يقدمون.

ومقابل ذلك، فهم لا يؤمنون بالديمقراطية والتعددية وتبادل السلطة، رغم أنهم في مرحلة تكتيكية قبلوا بمسايرة النقابات والأحزاب وعملوا معاً على أساس أنهم يقبلون بالديمقراطية وإفرازاتها ونتائجها، وأن خالفت برامجهم وأهدافهم على مبدأ الصبر طيب إلى حين.

وبسبب ضعف جماهيرية أحزاب المعارضة والتقاء جميعها على جملة من المواقف السياسية المشتركة، منها الموقف من معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل والموقف من التطبيع، إضافة إلى المواقف التي تخص الشأن الداخلي المتصل بالديمقراطية والطالب الخدمية، كل ذلك جمع شمل الإخوان المسلمين بأحزاب المعارضة اليسارية منها والقومية وحتى بعض الأحزاب البرامجية، وسط كل هذا الحشد، كانت الحركة الإسلامية هي صاحبة القول الفصل، خاصة في تحريك الشارع تحت شعارات جهادية تحريرية موجهة خطاباً يستهدف شريحة من أبناء الوطن تستثمرهم في تحقيق غاياتها العميقة التي تتجاوز تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لتقود الجمع إلى إقامة دولة الخلافة بعد القضاء على ما هو قائم من أنظمة الحكم التي ترى فيها الشيطان الأكبر الذي يحول دون سعادة الإنسان في الأرض والسماء، وهي ذات النظرة التي تنظر فيها الجماعة إلى الأحزاب التي تشاركها بالمواقف السياسية أو تتقاطع معها في القضايا الخدمية.

علماً بأنه في نهاية المطاف لا يمكن أن يلتقي ضدان، فهل تتوافق الاشتراكية مع مفهوم الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد بالمفهوم الماركسي؟ وهل يقبل الإسلامي من منطلق الديمقراطية والتعددية بقبول تناوب الحكم مع الشيوعيين أو البعثيين أو الناصريين؟

السؤال مرة أخرى: لماذا قبلت الجماعة الإسلامية التعامل مع كل هذه المكونات رغم حدة التناقضات والصراعات التاريخية؟ هل من منطلق الإيمان بالديمقراطية والاعتراف بالرأي الآخر أم أنها متطلبات مرحلة تسعى فيها الجماعة إلى الاستعداد وبالتالي الانقضاض والانقلاب على الجميع بلحظة ترى فيها الجماعة أنها أصبحت قادرة على الاستحواذ على مكونات الدولة بعد أن ضمنت سيطرتها على الشارع الذي رأى بالجماعة وشعاراتها وسيلة التحرير الذي طال انتظاره.

لم تعد جماعة الإخوان المسلمين كما كانت في بدايتها حركة دعوية اجتماعية، وقد قاد انتقال الجماعة من جيل إلى جيل إلى تبدل المواقف والأولويات وبات منهم من يرى بأن تراكمات المرحلة السابقة هي فرصة يمكن استغلالها وتوظيفها لمتطلبات المرحلة الآتية من خلال الانقلاب على ما كان لصالح برامج وتوجهات ومتغيرات أوجدت مراكز قوى جديدة يمكن التحالف معها وعليها لتحقيق جملة من الأهداف التنظيمية.

عندما نقرأ تاريخ حركة الإخوان المسلمين تحضرنا أسماء لها في الوجدان الوطني حضور ومواقف مشرفة غابت تلك الوجوه منها من انتقل إلى رحمة الله ومنها هجر التنظيم مما أدى إلى تصدر واجهة الإخوان من كانوا على الدوام ينتظرون فرصة الانقضاض على الدولة بكل مكوناتها متوهمين بأنهم عبر السنوات الماضية حققوا أهدافهم في استيعاب الشارع والسيطرة عليه والقدرة على تحريكه والتأثير فيه ومن هنا توالفت حكاية وقصة التنظيم المسلح الذي أسسه بعض قيادات تنظيم الإخوان في الأردن ليكون معتقدين بأنهم الآن باتوا بالمطلق من يتحكمون بالمشهد السياسي.

وللتذكير التوجه نحو بناء تنظيمات مسلحة لم تكن هذه المرة الأولى ويمكن لمن خرج من الجماعة أن يتحدث عن ذلك التنظيم الذي جرى تأسيسه بشكل سري ليتم اكتشافه وكشف حقيقته أمام قيادات الإخوان وبحضور المغفور له جلالة الملك الحسين رحمه الله، ذلك التنظيم الذي أراد الاستقواء والاستحواذ على الدولة ولي ذراعها عبر تحالفات مع دول وتنظيمات خارجية لكن الله كان لها بالمرصاد وبوجود نشامى المخابرات تم إحباط المخطط.

وهنا أذكر قصة حدثت مع صديق عزيز وهو حزبي يساري معارض، كان التقى بدولة عبدالسلام المجالي بعد توقيع معاهدة السلام، فطلب صديقنا من دولته أن يلتقي بالإخوان والمعارضة، فكان رد دولته: “بدك تجلس مع ناس يكفروني ويخونوني”. ماذا استفادت الحركة من هذا الأسلوب وماذا أنجزت، وكيف اقتنعت بأنها ستكون قادرة في لحظة ما على امتلاك الدولة وحرق دستورها؟

الحلم ليس كلحكم، لقد حلمت جماعة الإخوان كثيراً إلى حد القناعة بأنها القوة الوحيدة القادرة على إسقاط الدول وتعيين الأنظمة، خاصة بعد شعور بعض قادتها أنهم من يحركون الشارع دعماً لفلسطين.

القضية الفلسطينية ليست قضية جماعة أو حزب أو تنظيم، إنها القضية الرئيسية والوجدانية التي يلتقي ويلتف حولها أبناء الوطن من اليسار إلى اليمين، مدنيين وعسكريين، فقراء وأغنياء. فهي قضية شعب وأمة وليست أداة أو وسيلة لتنظيم أو جماعة تسعى إلى تحقيق برنامجها الذي ترى فيه أنه الضامن الوحيد لسعادة الإنسان وتحرير الأوطان.

الأردن بكل مكوناته قدم الحماية لأفراد جماعة الإخوان المسلمين ودفع ثمن ذلك من أمنه واستقراره ودماء أبنائه، لكن ذلك لم يُقدر من قبل التنظيم، بالوقت الذي يحملون فيه الدولة جميلة انحيازهم للدفاع عنها في أوقات ومراحل مختلفة.

الدولة الأردنية كانت السباقة في التعامل الإنساني والمبدئي معهم دون منة، فأصبح منهم الوزير والأمين والعين والنائب.

وأمام الواقع الجديد لم تعد تجدي المجاملات على حساب أمن واستقرار الوطن، وحان وقت مراجعة كل السياسات والاتجاهات التي تشكل بيئة خصبة لأفكار التطرف والإرهاب.

بيننا فئة تدعي الوطنية، بعضها رفع السلاح بوجه الدولة وتطاول على رموزها، والبعض الآخر متهم بالفساد وخراب العباد والبلاد، هؤلاء لا يمتلكون رؤية وطنية ولا أدوات معرفية هم بنظر الشارع مجرد فاسدين منظرين احتلوا المناصب وتوارثوها على حساب الوطن والمال العام.

مشهد الدفاع عن الوطن ومؤسساته من قبل شخصيات استهلكت إعلامياً وفاقدة الثقة شعبياً شكل ذلك مصدراً حجة لصالح الجماعة للطعن ليس بالأشخاص بل وبالسياسات العامة للدولة، ونظراً للواقع الاقتصادي واتساع ظاهرتي الفقر والبطالة اعتبرت تلك الاتهامات حقيقة مطلقة واعتبر الجماعات الإسلامية خير من يدافع عن قضايا الوطن ومستقبله. إذا أردنا الحديث عن البيئة السياسية فإنها بيئة لا تستوي فيها إلا السلوكيات الإيجابية التي تعزز الديمقراطية وتحول دون نمو أي توجه لأفكار التطرف الذي يقود للإرهاب فيجب الانتباه والحرص باختيار من يدافع عن الرواية الرسمية.

وما بين الولاءات للدولة والمعارضة العدمية على الحكومات أن تراجع برامجها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأن الفقر والبطالة وغياب العدالة كلها عناصر بيئة غير سوية تأخذ المجتمع إلى مستنقعات التطرف والإرهاب الذي ترعاه منظمات ظلامية عدمية.

على الدولة أن تحسن اختيار من يمثلها من شخصيات وطنية لم تطلها حتى لغة الاتهام بالفساد، شخصيات تعرف بثقافتها وعمق اطلاعها للتاريخ الوطني والاجتماعي، شخصيات لا تبحث عن مناصب ولا تجامل ولا تنافق على حساب الوطن.

بمثل هذه الشخصيات يمكن التصدي للافتراعات، شخصيات غير ملوثة، لا يمكن إلا الوقوف لها احتراماً من قبل الرأي والرأي الآخر.

إن نقطة ضعف إعلام الدولة هو تكرار ذات الشخصيات عبر جميع المحطات وتكرار ذات الجمل والعبارات، لا تحليل ولا استحضار للتاريخ والأحداث، مما جعل الشارع يهاجمهم ويتخذ من المعارضين وسيلة لمناكفتهم وأيضاً لتعزيز الصورة السلبية عنهم، من خلال استحضار الشارع شخصيات وطنية مثل وصفي التل وهزاع المجالي وحابس المجالي وعبدالحميد شرف شخصيات تكون حجة على من يظهرون بمظهر المبرر الضعيف وهو يدافع عن الموقف الوطني.

المصلحة الوطنية لا تتوقف عن مسؤول بعينه، فالمسؤول يرى المسؤولية الوطنية استناداً إلى موقعه وما يوفره له من معلومات وبيانات.

وبسبب غياب مؤسسات الدراسات للوقوف على الراجع من أثر القرارات أو السياسات، تعززت لدى البعض مفهوم المصلحة الوطنية بأنه الواجب الذي تحدده الاعتبارات الآنية دون مشاركة ودون تشاركية مع كافة المؤسسات، إن كانت رسمية أو أهلية. ومن هنا نعود إلى توجهات جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حول التطوير والتحديث السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي، وكل ما تم طرحه في الأوراق النقاشية الملكية التي تناولت قطاعات مهمة في بناء مفهوم الدولة المدنية العصرية، دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.

وبالتالي كان التوجه لتأسيس أحزاب سياسية تقوم على أساس التشاركية، لكن هذه الأحزاب فشلت وفشلت قياداتها في أول تجربة انتخابية.

والسؤال: لماذا اختار الناس الجماعة الإسلامية؟ ما هي الظروف التي جعلتهم يصوتون للحركة الإسلامية؟ صحيح إن أحداث غزة لعبت دوراً، لكن غزة ليست ملكاً للحركة الإسلامية وخطاباتها، لكن عجز وعدم خبرة وقناعة الناس بالأحزاب الجديدة دفعهم نحو اختيار الإسلاميين مناكفة، وكرسالة من الناخبين للأحزاب الجديدة تشير: نحن لا نثق بكم، أنتم تبحثون عن مصالحكم الخاصة. وبعد الانتخابات، والطلب من أمناء الأحزاب الذين دخلوا حكومة الدكتور جعفر حسان الاستقالة من مواقعهم كأمناء أحزاب، زادت قناعة الناس بعدم جدوى الأحزاب وعدم الإيمان بها، فهي دون برامج حقيقية ودون مرجعية فكرية ودون امتداد حقيقي مؤثر. كل هذا استفادت منه الحركة الإسلامية، وهو ما وفر لهم البيئة الخصبة في النمو والتغلغل بين الناس، مستغلين كل هذه الأجواء لتمرير خطاباتهم وشعاراتهم.

اليوم نحن أمام واقع جديد يحتاج إلى من يتسلم قيادته من الأحزاب والشخصيات الوطنية، نحن أمام واقع نحتاج فيه إلى حوار يحدد أولوياتنا الوطنية ويعزز قيمنا الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى