مقالات

بين الاستدامة والعدالة: أين تقف النساء في تعديلات الضمان الاجتماعي … د. زهور غرايبة

الملف الإخباري- في سياق مسار التحديث في الأردن، سياسيًا واقتصاديًا، تأتي تعديلات قانون الضمان الاجتماعي كجزء من إعادة تعريف منظومة الحماية الاجتماعية وتعزيز الاستقرار. لكن نجاح هذه التعديلات يقاس بمدى عدالتها وانسجامها مع أهداف التحديث. وهنا تبرز أهمية تقييم أثرها على النساء، في ظل فجوات مستمرة في المشاركة الاقتصادية والأجور والوصول إلى مواقع صنع القرار، ما يجعل إدماج البعد الجندري التنموي ضرورة لأي إصلاح فعلي.

الإشكالية الأولى التي تطرح نفسها تتمثل في أن النظام المقترح يستند ضمنيًا إلى نموذج “المسار المهني المستقر”، أي العامل الذي يبدأ العمل مبكرًا، ويستمر بشكل متواصل حتى التقاعد. غير أن هذا النموذج لا يعكس واقع شريحة واسعة من النساء في الأردن، اللواتي تتسم مشاركتهن الاقتصادية بالانخفاض، والانقطاع المتكرر بسبب مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر، سواء تجاه الأطفال أو كبار السن. وعليه، فإن أي تعديل لا يأخذ هذه الانقطاعات بعين الاعتبار، يظل قاصرًا عن تحقيق العدالة.

أما الإشكالية الثانية فتتعلق برفع سن التقاعد للنساء. فرغم أن هذا الإجراء يُطرح في إطار توحيد المعايير وتحقيق الاستدامة، إلا أنه يغفل حقيقة أن عددًا كبيرًا من النساء لا يصلن أصلًا إلى سنوات الاشتراك الكافية للحصول على راتب تقاعدي. وبذلك، فإن رفع سن التقاعد قد لا يعني بالضرورة إطالة سنوات العمل، بل قد يعني ببساطة تأجيل استحقاق قد لا يتحقق.

الإشكالية الثالثة ترتبط بتشديد شروط التقاعد المبكر، وهو خيار شكّل لسنوات أحد المخارج القليلة المتاحة للنساء اللواتي يواجهن صعوبات في التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. إن تقليص هذا الخيار دون توفير بدائل مرنة—كأنماط العمل الجزئي أو سياسات داعمة للرعاية—قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في خروج النساء من سوق العمل دون أي مظلة حماية.

ولا يمكن تجاهل الإشكالية الرابعة، المرتبطة بطبيعة سوق العمل نفسه. فعدد كبير من النساء يعملن في الاقتصاد غير المنظم، أو في وظائف جزئية وهشة، ما يجعل التزامهن بالاشتراكات التأمينية محدودًا أو متقطعًا. وفي ظل هذه المعطيات، فإن اشتراط سنوات اشتراك طويلة وثابتة يعكس فجوة بين التشريع والواقع.

ولا تقل أهمية عن ذلك الإشكالية الخامسة، المرتبطة بفجوة الأجور بين الجنسين بالرغم أن قانون العمل الأردني يمنع هذه الاشكالية، ومحدودية وصول النساء إلى المواقع القيادية وصنع القرار داخل سوق العمل. فواقع النساء لا يقتصر على انخفاض المشاركة الاقتصادية، بل يمتد إلى تمركزهن في وظائف أقل أجرًا وأقل استقرارًا، مع فرص محدودة للترقي المهني. وينعكس ذلك مباشرة على حقوقهن التأمينية؛ إذ تؤدي الأجور المنخفضة إلى اشتراكات أقل، وبالتالي إلى رواتب تقاعدية أدنى، ما يكرّس الفجوة الاقتصادية على المدى الطويل. كما أن ضعف التمثيل في مواقع القرار يحدّ من فرص الاستقرار الوظيفي، ويزيد من احتمالية الانسحاب من سوق العمل، سواء بشكل مؤقت أو دائم، خاصة في ظل غياب سياسات داعمة توازن بين العمل والحياة الأسرية.

الأكثر تعقيدًا أن نظام الضمان، بصيغته الحالية، لا يعترف بقيمة العمل غير مدفوع الأجر الذي تقوم به النساء داخل الأسرة. فسنوات الرعاية التي تُقضى خارج سوق العمل—وهي سنوات منتجة اجتماعيًا واقتصاديًا—لا تُحتسب ضمن المسار التأميني، ما يعمّق فجوة الحماية ويكرّس شكلًا من أشكال اللامساواة غير المرئية.

من هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الإصلاح بحد ذاته، بل في طبيعته واتجاهه. فالإصلاح الذي يركّز على ضبط النفقات دون معالجة اختلالات سوق العمل، أو دون إدماج منظور جندري تنموي واضح، قد يعيد إنتاج الفجوات بدلًا من تقليصها.

إن أي مقاربة إصلاحية جادة تتطلب التفكير بما هو أبعد من المعادلات المالية، نحو إعادة تصميم نظام أكثر مرونة وشمولًا، يأخذ بعين الاعتبار مسارات العمل غير الخطية، ويعترف بأدوار الرعاية، ويوسّع مظلة الحماية لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، وخاصة النساء.

في النهاية، لا يتعلق النقاش فقط بمستقبل صندوق الضمان، بل بشكل المجتمع الذي نريد بناءه.

هل نريد نظامًا مستدامًا ماليًا فقط، أم نظامًا عادلًا اجتماعيًا أيضًا؟
الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد إن كانت هذه التعديلات خطوة إلى الأمام، أم مجرد إعادة إنتاج لأوجه عدم المساواة القائمة.

د. زهور غرايبة
باحثة في شؤون المرأة الأردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى