مقالات

احتفالات بالنصر أم بالنجاة… الصحفي : ممدوح النعيم

 الملف الإخباري- يبدو أن مرارة الهزيمة المشتركة الناتجة عن المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران أنتجت تحالفًا سيقود إلى نتائج مغايرة لمفهوم وحدة ساحات المقاومة التي كانت تشير الى أذرع إيران في اليمن والعراق ولبنان وسوريا قبل سقوط الأسد في التصدي لإسرائيل وتوسعة ميادين الحرب دعمًا للمقاومة.

اليوم يعود مصطلح توحيد الساحات لكن ساحات فرح الانتصار الذي يبدأ من تل أبيب إلى طهران، فايران تحتفل بالانتصار وكذلك إسرائيل، فهل نشهد توحيدًا ولقاءات على طاولة المفاوضات؟ وهل هذه الاحتفالات بداية الزفة نحو بناء علاقات تقوم على أسس الشرعية الدولية ومفهوم السلم العالمي؟

توحيد ساحات الفرح بالانتصار من تل أبيب إلى طهران يحتاج الىة قراءة تحليلية حول مفهوم النصر والهزيمة.

المواجهات العسكرية هي الأكثر ضررًا على واقع العلاقات الدولية، ويصل تأثيرها على العلاقات الإنسانية وينتج عنها كم من الأحقاد والكراهية، ففي الحروب هناك موت ودمار ونار وهدم وتشريد، وهذه النتائج لا يمكن أن تكون محل سعادة شعوب أي من أطراف المواجهة العسكرية منتصرًا أو منهزمًا.

في المواجهة العسكرية الإسرائيلية الإيرانية، يعلن الجانبان عن تحقيقهما انتصارات مؤزرة على الآخر، وهو يثير تساؤلات سياسية وفلسفية حول من الذي انتصر؟ ومن الذي انهزم؟ وكيف يمكن أن يحتفل طرفان متنازعان بما يزعمون أنه نصر في ذات الوقت؟

بظل موازين القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية فإن مفهوم الانتصار أو الهزيمة تعد في قياسات تلك العناصر من الأمور النسبية، أي لا يوجد هناك انتصار كامل أو هزيمة كاملة

في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، قام كل طرف في وضع جملة من الأهداف الاستراتيجية، فالهدف الأمريكي الإسرائيلي القضاء على المشروع النووي الإيراني وتدمير القوة العسكرية الإيرانية وإضعافها، وهذا ما تحقق لأمريكا ولإسرائيل، فهو بنظرهم يعد انتصارًا، إيران بدورها حافظت على بقاء نظامها الذي يشكل صورتها العقائدية وعنوان امتدادها وتأثيرها، وهي بذلك انتصرت.

ومن منظور أدق، فقد وضع الطرفان جملة من الأهداف والمكاسب جعلت كليهما يعلن النصر، بعيدًا عن الهزيمة الكاسحة، وهذا ما دفع إيران وإسرائيل لإعلان الاحتفالات بالنصر، وهو يمكن أن نسميه الاحتفال بالنجاة أكثر مما هو احتفال بالانتصارات.

الصراع الإسرائيلي الإيراني صراع طويل الأمد ومركب سياسيًا واستخباراتيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإيديولوجيًا، لذلك لا يمكن لكل هذه التراكمات أن تسجل انتصارات حاسمة وسريعة ونهائية، من هنا يرى البعض أن ساحات الفرح من تل أبيب إلى طهران ما هي إلا عملية انتقال إلى لعبة سياسية جديدة يتشارك بها الجانبان بقصد إخفاء الحقائق والنتائج الناجمة عن المواجهات عن شعوبهما، فالخسائر الاقتصادية والإصرار المادية والأكثر معنويا وصورة المستقبل كلها لم تظهر نتائجها، والتي قد تكون أشد قساوة من مفهوم الانتصار العسكري المسلح الذي تحدد نتائجه بحجم الخسائر من القتلى والأسلحة والأسرى.

احتفال كل من إسرائيل وإيران بانتصار مزعوم هو دليل قوي على أمر تحتاجانه من شعوبهما، ورسالة تريدان التأكيد بانهما حققا انتصارات، فالحكومات بعد المواجهات والحروب تحتاج إلى تعزيز الشعور بالنجاح لدى شعوبها، خاصة في ظل الأزمات، حتى لو كانت النتائج سلبية.

فإيران بعد مقتل الصف الأول من قادتها وعلمائها وتدمير مشروعها النووي تحتاج إلى رفع معنويات شعبها، وكذلك إسرائيل بقيادة اليمين المتطرف تسعى إلى سحب حالة الغضب والامتعاض من سياسات وحروب نتنياهو من الشارع الإسرائيلي.

وعودةً للسؤال الأساسي: من الذي انتصر؟ ومن الذي انهزم الإجابة على هذا السؤال وبعيدًا عن التحليل النظري السطحي تحتاج إلى تحليل معمق لجميع الأهداف الاستراتيجية عند الجانبين، الجانب الإسرائيلي يقوم انتصاراته على تمكنه من تقويض النفوذ الإيراني والقضاء على ما يسمى وحدة الساحات، والتخلص من مشروع إيران النووي الذي تعده تهديدًا لوجودها.

وإيران ترى انتصارها في عدم قدرة إسرائيل وأمريكا على عزلها عن حلفائها الصين وروسيا.

في الوقت الذي يمكن فيه لأي طرفين متصارعين إقامة ليالي فرح وطرب، فإن الخاسر الأكبر غالبًا ما يكون الشعوب التي تدفع ثمن الصراعات المستمرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى