مقالات

الريادة الرقمية والبروقراطية الرقمية..! د. مفضي المومني

قرأت تصريح لوزير “الريادة والاقتصاد الرقمي” يقول فيه إن تطبيق “الحكومة الرقمية” بدأ عام 2001 وما زالت تتعثر… وتذكرت مقولة لزميل دكتور رحمه الله، كان يكررها دائمًا ؛ ( لدينا أدوات التقدم والحضارة ولكننا غير متحضرين) وقبل أن أدخل لمؤشرات الحكومة الإلكترونية والريادة الرقمية وتقرير الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية، نعترف أن هنالك تطور ولكنه خجول ومحدود أو ليس بالطموح أو مستوى المقارنة مع بعض دول المنطقة، ونعترف أننا متأخرين عالمياً وإقليمياً، وبعيدا عن المؤشرات للريادة الرقمية أطرح بعض المشاهدات لتعاملنا معها:
1- تذهب لنرخص سيارتك، وإذا كان عليك مخالفات وليس لديك تطبيق الدفع المعروف أو لا تجيد إستخدامه وهو الشائع، تذهب خارج الدائرة لمقهى أو دكان، يقبع فيه شخص امامه لابتوب ويدفعلك المخالفات وبأجر ربع دينار، والقضية ليست بالربع دينار بل بخدمات متقدمة لإدارة الترخيص يفسدها مشهد متأخر… !
2- التجارة الإلكترونية، تعلمناها وتعلمها ابنائنا وأصبحوا يتجولون في اسواق العالم الرقمية ويشترون بعض أشيائهم، تدخلت الحكومة وفرضت رسوم على كل طرد سبعة دنانير ونصف، حتى لو كان محتوى الطرد قيمته دولار او اقل، فأفسدنا الشراء الإلكتروني والثقافة الرقمية بحجة حماية التجار مع أن التجار كان بالإمكان توجيههم للإبداع ليكونوا وكلاء للمسوقين العالميين..!.
3- هنالك معاملات الكترونية فعلا، ولكن البيروقراطية تلزمك بالمراجعة وتقديم أوراق وغيرها من الأساليب البالية المضيعة للوقت والجهد.
4- تذهب لمؤسسة حكم محلي ودوائرها على سبيل المثال؛ لاستخراج مخطط او وثيقة، ولتدفع أي مبلغ لا يوجد محاسب، يجب أن تدفع الكترونيا وتبحث عن من يقدم الخدمة في الشارع والأزقة والدكاكين، الخدمات ورقية والدفع الكتروني ويا همالالي..!.
5- عجزت أجهزة الحاسوب والوعاء الرقمي عن إستيعاب الكم الهائل من الضرائب وحيثياتها ومفرداتها، فإذا كنت ستشتري سيارة أو تجمركها، تبدأ من عند حزام الأمان حتى ساعة الحرارة..! التطبيق العالمي يعتمد ادوات أخرى مثل الرقم والموديل وسنة الصنع وغيرها، ونحن ما زلنا نقدر ونبحث عن موائمة عبقريتنا البيروقراطية الضريبية مع التطور الرقمي لا العكس.
6- حتى في جامعاتنا وبعد أن ذهبنا مرغمين بسبب جائحة كورونا للتعليم عن بعد بواسطة التعليم الإلكتروني، أصبحت بعض الإدارات الجامعية تستخدم أدوات التعليم عن بعد لتسجيل مواقف على المدرس، ما أنزل الله بها من سلطان، وتتحفك بتعميمات حرفية أفسدت إبداع المدرس والطالب، ناهيك عن المصائد المبتدعة للإيقاع ببعض المدرسين..!
7- كنا نتوقع أن يصبح نظامنا الإداري الحكومي والخاص بدون ورق بعد فترة من ترسيخ التعامل والبريد الإلكتروني، وما حصل أننا اشترينا أنظمة لذلك وأبقينا أستخدام الورق وتبع ذلك المزيد من الكلفة وصرنا مثل من يحمل ساعة رقمية وينظر للظل ليعرف الوقت..!
8- المعاملات الرقمية يجب أن تغنيك عن زيارة الدوائر المختلفة، ولكن فلاسفة الإدارة الرقمية يضعون لك بآخر المعاملة وجوب مراجعة الدائرة(بدك تراجع يعني بدك تراجع..!) إذا ما داعي التعامل الرقمي يا رعاكم الله..!.
9- ما زالت البنية التحتية الرقمية والبرامج المستخدمة عند البعض بطيئة عقيمة تأخذ الوقت الكثير لبطء الشبكة والبرنامج وكثرة المفرادات والنوافذ وتكرارها ولو حسبت وقت إجراء المعاملة الكترونيا لوجدته اكثر منه ورقياً، فأين توفير الوقت والجهد إضافة(لحمة البال والعكننة).
10- افلحنا في نقل بيروقراطية المكتب والمزاجية للتعامل الإلكتروني، فأصبحنا (نلعن أبو اللي عمله بدل أن نشكره).
11- في مجال القوى البشرية لدينا مختصين ولكن عقم الإدارات أفقدتهم فعلهم ومواهبهم، فما جدوى نظام مثل نظام التسجيل في الجامعات يتم تقييده بشكل مركزي ويصبح المسجلين في الدوائر الأخرى متفرجين نتيجة التقييد المركزي لتدخلهم، ولعمل أي تداخل إلكتروني يجب رفع كتاب ل س أو ص ليتلطف ويعطي الصلاحية، لا يمكن أن تفلح النظم الإلكترونية ضمن عقليات إدارية مترددة جامدة متخلفة مهمتها التعطيل بدل التسهيل.

في الجعبة الكثير عن تخلفنا الإلكتروني، وسبب تدني موقعنا العربي والعالمي في الريادة الرقمية ولكم أن تلاحظوا ذلك من خلال نشرات وزارة الإقتصاد الرقمي والريادة:
حقيقة المشاهد سابقة الذكر تعكسها مؤشرات دولية مثل مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية للأمم المتحدة- 2020 -والذي يدرس 193 دولة حول العالم- ويظهر أن الأردن احتل المرتبة 51 في العام 2010، ثم تراجع للمرتبة 98 العام 2012، وتقدمنا للمرتبة 79 العام 2014، لنتراجع بعدها الى المرتبة 91 في العام 2016، ومن ثم لنتقدم الى المرتبة 98 في العام 2018، فيما يشير آخر إصدار لهذا التقرير العالمي إلى أن الأردن قد تراجع كثيرا حتى وصل إلى المرتبة 117 عالميا والعاشرة عربيا وهو منقول عن الموقع الرسمي للحكومة الإلكترونية المركز الاعلامي، ويغطي التقرير (193) دولة عضو في الأمم المتحدة كما سلفنا، ويقيس مستوى التطور في تنمية الحكومة الإلكترونية عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية هي مؤشر الخدمات الحكومية الالكترونية Online Service Index ومؤشر البنية التحتية للاتصالات Telecommunications Infrastructure Index ومؤشر رأس المال البشري Human Capital Index.

وفيما يتعلق بمؤشر رأس المال البشري، والذي يتكون من أربعة مؤشرات فرعية هي معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين، وإجمالي نسب الالتحاق بالمدارس الابتدائية والثانوية والتعليم ما بعد الثانوية، وعدد سنوات التعليم المتوقعة بالإضافة إلى متوسط عدد سنوات الدراسة، فقد أشار التقرير الى تراجع الأردن في مؤشر رأس المال البشري بنسبة -8% تقريباً،

أما بالنسبة لمؤشر الخدمات الحكومية الالكترونية، والذي يعكس مدى التقدم في الحكومة الإلكترونية من خلال مجموعة من المحاور هي الإطار المؤسسي والإطار القانوني والتنظيمي والاستراتيجيات الوطنية وتطبيقها ونسب استخدام الخدمات الالكترونية ورضا المستخدم وسرعة إدخال التقنيات الحديثة والتعاون الإقليمي والدولي، واعتماد سياسات حكومية شاملة ومتكاملة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 بشكل أكثر فعالية مع الأخذ في الاعتبار العلاقات المتبادلة بين القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فقد ذكرتها سابقاً. حيث أشار التقرير إلى تراجع الأردن في مؤشر الخدمات الحكومية الالكترونية، حيث بلغت قيمة المؤشر في عام 2018 (0.4931) وأصبحت (0.3588) في تقرير العام 2020 بنسبة تراجع بلغت -27%.

وبينت الوزارة أنها عملت على المحاور الثلاث خلال العام الماضي بعد تقديم الاستمارة، حيث أصدر مجلس الوزراء سياسة تصنيف وإدارة البيانات الحكومية في شهر 1/2020 ويجري تنفيذها حاليًا من قبل الجهات الحكومية، وقامت الوزارة بإعداد قانون حماية البيانات الشخصية ورفعها لمجلس الوزراء في شهر 12/2019 الذي أقر الأسباب الموجبة لمسودة القانون وتجري مراجعته حالياً من قبل ديوان التشريع والرأي. وتتابع الوزارة مع الجهات الحكومية من أجل زيادة عدد مجموعات البيانات الحكومية المفتوحة على منصة البيانات الحكومية المفتوحة التابعة للوزارة لزيادة الشفافية والمشاركة الالكترونية من قبل المواطنين وقطاع الأعمال، ويضيف تصريح الوزارة إلى
أن عدد الخدمات الإلكترونية واستخدامها قد ازداد بمقدار 145 خدمة من شهر آذار 2019 وهو الشهر الذي تم فيه تقديم الاستمارة التي اعتمد عليها التقرير. كما ازداد عدد الحركات في الشهور آذار، إبريل وأيار في العام 2020 مقارنة بنفس الأشهر في العام 2019 من 897 ألف حركة إلى ما يزيد عن مليونين وربع المليون حركة، إنتهى الإقتباس.

إذا واضح أننا نتراجع في الأرقام العالمية ومؤشراتها، وأما المواطن والمستخدم والزبون وطالب الخدمة والمعاملة أيا كانت ما زال يشكو ويشكو، ويقارن من عمل في بعض دول الخليج أو الدول الأجنبية بين ما نحن فيه من بيروقراطية رقمية وتراجع ونقص وإضاعة للجهد والمال، وبين سلاسة وسهولة الإجراءات في تلك الدول بغض النظر عن المؤشرات العالمية التي نفهمها ونعترف ويجب أن تنعكس على أرض الواقع.

ما زلنا نواجه عصر الرقمنة والقرن الحادي والعشرين بنفس عقلية ثلاثينيات القرن الماضي، لدينا أدوات الحضارة ولكن ثقافتنا وعقولنا ما زالت رجعية وبيروقراطية نسخر التطور الرقمي لإدامتها بدل إستخدامه لإلغائها..!، حيث غالباً ما نفسد الأشياء الجميلة، بإضافاتنا الإدارية والتشريعية العقيمة والمتخلفة. … حمى الله الأردن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى